عبد الملك الخركوشي النيسابوري

145

تهذيب الاسرار في أصول التصوف

21 - باب في ذكر الجوع أخبرنا أبو سعد ، أخبرنا أبو الحسن حازم بن إبراهيم بن أحمد المعدل بمصر ، قال : حدّثنا محمّد بن موسى بن المأمون ، قال : حدّثنا عبد اللّه بن أحمد بن منصور ، قال : حدّثنا محمد بن خليد ، قال : حدّثنا عبد الواحد بن زياد ، عن مسعر ، عن علي بن الأرقم ، عن عون بن أبي جحيفة ، عن أبيه قال : أكلت خبزا ولحما ثم أتيت النّبى صلى اللّه عليه وسلم فتجشّأت ، فقال النبي صلى اللّه عليه وسلم « أقصر عنّا من جشائك هذا ، فإنّ أطول النّاس شبعا في الدّنيا ، أطولهم جوعا يوم القيامة » « 1 » . وقيل : إنّ من شرف الجوع أنّ صاحبه محبوب . وقال يحيى بن معاذ : جوع الراغبين فتنة ، وجوع التائبين تجربة ، وجوع المجتهدين كرامة ، وجوع العابدين سياسة ، وجوع الزاهدين حكمة . وفيما يحكى عن يحيى بن معاذ : إن للجوع أذنين يعقل بهما عن اللّه عزّ وجلّ ، وأن للشبع طغيانا يعرض عن اللّه عزّ وجلّ . وعن أبي سليمان قال : مفتاح الدّنيا الشبع ، ومفتاح الآخرة الجوع . وقال أيضا : القلب إذا جاع وعطش صفا ورقّ ، وإذا شبع وروى عمى وبار . وقال أيضا : الجوع مخ العبادة ، والحصن الحصين ضبط اللسان ، وحبّ الدّنيا رأس كلّ خطيئة . وقال أيضا : عليك بالجوع فإنه مذلة للنفوس ، ورقة للقلوب ، ويورث العلم السماوي . وقال كعب : أجيعوا بطونكم ، وأظمئوا أكبادكم ، وأعروا أجسادكم ، لعلكم ترون ربكم بأسراركم . وقال يحيى بن معاذ : ما من عبد شبع إلا أذهب اللّه منه شيئا لم يدركه بعده أبدا . وقال أيضا : الجوع طعام اللّه في الأرض ، يشبع به أبدان المريدين ، والحكمة جند اللّه تعالى في الأرض ، يقوّى بها أبدان الصديقين .

--> ( 1 ) سنن الترمذي ( 2480 ) بلفظ « كف عنا جشأك » الحديث . وقال حسن غريب .